دراسات إسلامية

 

المستشرقون والتاريخ

(الحلقة 2/2)

بقلم:  الدكتور عبد العظيم محمود الديب

 

 

ثانيا: المنهج من حيث استكمال شروطه، والالتزام بقواعده:

     ومع أننا نتحدث عن كتابات الغربيين في التاريخ، إلا أننا سنرى أن ما سنقوله هنا ينطبق على مناهجهم في الدراسات الاستشراقية بصفة عامة، في التاريخ وغيره، كالدراسات الأدبية والدراسات حول القرآن، وحول السنة وكل ما تخطه أيديهم مما يتصل بالإسلام والعربية.

     ولأننا جعلنا كتاباتهم في التاريخ موضوعنا، سنقصر أمثلتنا على الكتابات التاريخية وحدها، لنكون ملتزمين بموضوعنا.. إن شاء الله.

     ونستطيع أن نوجز هذه الملامح والسمات المنهجية وإن شئت قلت: المآخذ المنهجية على النحو الآتي:

أ- الخضوع للأهواء وعدم التجرد للبحث

     شرط المنهج الأول، وأساسه، التجرد من الأهواء، وعدم الوقوع تحت سلطانها، فلا يميل الهوى بالباحث لإثبات ما يوافق هواه، ونفي ما عداه فما بالنا بمن يحدد الغرض أولاً، والنتجية مسبقًا، ثم يبدأ في البحث عما يؤيدها، والتنقيب عما يثبتها، فهذا ليس علمًا، وليس بحثًا، مهما كانت صورته، ومهما كان شكله، وهذا هو ما يعمله المستشرقون، فهم يعينون لهم غاية، ويقررون في أنفسهم تحقيق تلك الغاية بكل طريق، ثم يقومون لها بجمع معلومات من كل رطب ويابس ليس لها علاقة بالموضوع، سواء من كتب الديانة والتاريخ، أو الأدب أو الشعر، أو الرواية، والقصص، أو المجون والفكاهة، وإن كانت هذه المواد تافهة لا قيمة لها، ويقدمونها بعد التمويه بكل جراءة، ويبنون عليها نظرية، لايكون لها وجود إلا في نفوسهم وأذهانهم (العلامة أبوالحسن الندوي، الإسلام والمستشرقون:19، المجمع الإسلامي العلمي، ندوت العلماء، لكنو، الهند، 1402هـ - 1982م).

     وما ذكرناه في هذا البحث آنفًا عن أهداف المستشرقين وغاياتهم، يشير إلى هذه الآفة، فالمستشرق يبدأ بحثه وأمامه غاية حددها، ونتيجة وصل إليها مقدمًا، ثم يحاول أن يثبتها بعد ذلك، ومن هنا يكون دأبه، واستقصاؤه الذي يأخذ بأبصار بعضهم، وهو في الواقع يدأب، ويشقى ويكد لينحِّي ما يهدم فكرته ويكذب رأيه، ويخفي ويطمس ويتجاهل كل ما يسوقه إلى نتيجة غير التي حددها سلفًا، ومن هنا تأتي أبحاثهم عليها مسحة العناء والاستقصاء، ولكنه عناء الالتواء، واستقصاء من يجمع من لا شيء شيئًا، ويصنع من الهباء بناء ويبني من الغبار صرحًا.

     يقول أستاذنا محمود شاكر، عن هذا الخطر، والخلل المنهجي:

     ﴿وأما الأهواء، فهي الداء المبير والشر المستطير، والفساد الأكبر، إن هو ألم بأي عمل إلمامةً خفيفةَ الدبيب، بله الوطء المتثاقل، أحاله إلى عمل مستقذر منبوذ كريه، حتى لو جاءك هذا العمل في أحسن ثيابه، وحليه وعطوره، وأتمها زينة، من دقة استيعاب وتمحيص، ومهارة، وحذق وذكاء)(1).

     هذا الداء المبير، والخطر الوبيل، حذر منه علماؤنا الأقدمون، منذ أكثر من ألف عام، حين وضعوا قواعد المنهج، وحددوا أركانَه وشروطه، فتردد في كتبهم، ونبهوا عليه في كثير من مؤلفاتهم، وخصّوا هذه القواعد بكتب ورسائل خاصة فمن قبل ألف عام قرأت الدنيا للحسن بن الهيثم المتوفى سنة 430هـ 1038م، فيما وضعه من قواعد المنهج قوله في كتابه (المناظر).. (ونجعل غرضنا في جميع ما نستقرئه ونتصفحه استعمال العدل، لا اتباع الهوى، ونتحرى، في سائر ما نميزه، وننتقده طلب الحق، لا الميل مع الأراء، فلعلنا ننتهي بهذا الطريق إلى الحق الذي به يثلج(2) الصدر، ونصل بالتدريج والتطلف إلى الغاية التي عندها يقع اليقين، ونظفر مع النقد والتحفظ بالحقيقة التي يزول معها الخلاف، وينحسم بها مواد الشبهات)(3).

     هكذا، استعمال العدل والبعد عن الهوى، وطلب الحق، وعدم الميل مع الآراء شرط للوصول إلى اليقين والحقيقة!! فهل كان المستشرقون يبغون اليقين ويريدون الحقيقة؟؟

ب – عجز المستشرق عن تمثل الثقافة واللغة

     إذا كان من شروط المنهج البراءةُ من الأهواء، كما ذكرنا آنفًا، فإن من شروطه أيضًا إدراك اللغة والإحاطة بأسرارها، أسرار اللغة التي يبحث الباحث في آدابها وعلومها، وفنونها، وكذلك إدراك (الثقافة) والإحاطة بسرها، (ثقافة) الأمة التي يريد أن يبحث في تاريخها، وعقائدها، وعمرانها، وحضارتها، ودينها.

     وذلك لازم للمستشرق وغير المستشرق، «هذه الشروط لا يختلف في شأنها أحد قط في كل ثقافة، وفي كل أمة، فإذا كان لا يعد كاتبًا أو باحثًا أو عالمًا من أبناء اللغة، وأبناء الثقافة أنفسهم، إلا من اجتمعت له هذه الشروط فإذا عري منها لم يكن أهلاً للنزول في ميدان (المنهج) فإذا فعل، فهو متكلم لا أكثر، ثم لا يلتفت إلى قوله، ولا يعتد به عند أهل البحث والعلم والكتابة.

     والمستشرق فتى أعجمي ناشئ، في لسان أمته وتعليم بلاده، ومغروس في آدابها وثقافتها.. ثم يشدو طرفًا من علوم العربية وآدابها، يأخذها من أعجمي مثله، ثم يخرج على الناس بعد ذلك (مستشرقًا)، يفتي في اللسان العربي، والتاريخ العربي، ... غاية ما يمكن أن يحوزه (مستشرق) في عشرين أو ثلاثين سنة.. أن يكون عارفًا معرفةً ما بهذه (اللغة) وأحسنُ أحواله عندئذ أن يكون بمنزلة طالب عربي، في الرابعة عشرة من عمره، بل هو أقلّ منه على الأرجح، أي هو في طبقة العوام الذين لا يعتد بقولهم أحد في ميدان (المنهج).. على أن اللغة نفسها هي وعاء (الثقافة) فهما متداخلتان، فمحال أن يكون محيطاً أيضًا بثقافتها إحاطة تؤهله للتمكن من (اللغة) فمن أين يكون (المستشرق) مؤهلاً لنزول هذا الميدان؟..

     وإذا كان أمر (اللغة) شديدًا لا يسمح بدخول المستشرق تحت هذا الشرط اللازم للقلة التي تنزل ميدان (المنهج) و (ما قبل المنهج) فإن شرط (الثقافة أشد وأعتى، لأن الثقافة سر من الأسرار الملثمة في كل أمة من الأمم، وفي كل جيل من البشر، وهي في أصلها الراسخ البعيد الغور، معارف كثيرة لا تحصى، متنوعة أبلغ التنوع، لا يكاد يحاط بها، مطلوبة في كل مجتمع إنساني، للإيمان بها أولاً من طريق العقل والقلب، ثم للعمل بها، حتى تذوب في بنيان الإنسان، وتجري منه مجرى الدم، لا يكاد يحس به، ثم للانتماء إليها بعقله وقلبه، انتماءً يحفظه ويحفظها من التفكك والانهيار، وهذه القيود الثلاثة: (الإيمان) و (العمل) و(الانتماء) هي أعمدة (الثقافة) وأركانها التي لايكون لها وجود ظاهر محقق إلا بها، وإلا انتقض بنيان (الثقافة) وصارت مجرد معلومات ومعارف وأقوال مطروحة في الطريق متفككة لا يجمع بينها جامع، ولا يقوم لها تماسك، ولا ترابط ولا تشابك..

     وبديهي، بل هو فوق البديهي، أن شرط (الثقافة) بقيوده الثلاثة، ممتنع على (المستشرق) كل الامتناع، بل هو أدخل في باب الاستحالة من اجتماع الماء والنار في إناء واحد، كما يقول أبوالحسن التهامي الشاعر:

ومكلف الأيام ضد طباعها

متطلب في الماء جــذوة نار

     وذلك لأن (الثقافة) و(اللغة) متداخلتان تداخلاً لا انفكاك له، ويترافدان ويتلاقحان بأسلوب خفي غامض كثير المداخل والمخارج والمسارب، ويمتزجان امتزاجًا واحدًا غير قابل للفصل، في كل جيل من البشر، وفي كل أمة من الأمم.. فأنى للمستشرق أن يجوز ما لا يجوزه إلا من ولد في بحبوبة اللغة وثقافتها منذ كان في المهد صبيًا...»(4).

     وهذا كلام مبين غاية الإبانة، واضح تمام الوضوح، لا تحتاج معه إلى دليل ومع ذلك أسوق لك من كلام أحد المستشرقين وكبار دهاقينهم ما يؤكد هذا.

     كتب شيخ المستشرقين الروس، وأقدرهم بإطلاق (كراتشوفسكي) إلى شقيقته يقول لها: (إن اللغة العربية تزداد صعوبةً، كلما ازداد المرء دراسةً لها) أرجع إلى المقدمة التي كتبتها زوجته لكتابه (مع المخطوطات العربية) ترجمة الدكتور محمد منير مرسي. قلت: ما باللغة العربية من صعوبة!! وكيف تزداد صعوبتها مع الأيام؟ وكلما ازداد دراسةً لها؟؟ لكنه العجز الفطري والعجمة الموروثة، فأنى يهرب منها (كراتشوفسكي) وأضرابه.

     وإن كنت بعد في شك من أمر عجز المستشرق عن استكناه سر اللغة، وإدراكٍ كنه الثقافة، فسأضع بين يديك نماذج لما وقعوا فيه من أوهام غليظة(5) نتيجةً لهذا العجز المهين، فمنها: «شرح كارترمير، (الأحداث) بالغوغاء، وتفسير كازانوفا، لفظ (أمي) بشعبي، ومن ذلك ما وقع فيه المستشرق الألماني (براجستراسر) في تحقيق كتاب مختصر في شواذ القراءات لابن خالويه، حيث صحف كلمة أبي عمرو بن العلاء: (فقد تربع في لحنه) وجعلها: (فقد تربع في الجنة، مع أن المقام مقام ذم»(6).

     وإذا كانت هذه الأخطاء لايترتب عليها كبير خلل في المعنى، أو قضايا علمية، فهناك ما يترتب عليه فساد في المعنى، وأحكام شرعية، فمن ذلك ما قاله (م. وات) من تفسير الغض من البصر بأنه التواضع، حيث قال: (وقد نزلت آيات أخرى تدعو المؤمنات إلى التواضع) ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَات يَغْضُضْنِ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ، ويَحْفَظْنَ فروجَهُنَّ، ولا يُبْدِيْنَ زِيْنَتَهن إلا ما ظهرَ منها(7).

     هكذا يرى أن هذه الآية تدعو إلى التواضع، ولسنا ندري من أين جاءه هذا المعنى، مع أن السياق، يشير إلى أن الأمر بغض النظر هنا هو عدم النظر إلى ما لا يحل نظره من الأجنبي، ولا علاقة لهذا بالتواضع.

     ونموذج آخر للمستشرق (فان فلوتن) وهو يعتبر أحد المستشرقين المعنيين بالتاريخ الإسلامي، المتخصصين في فترة الأمويين والعباسيين، وتستطيع أن تجد اسمه يتردد في كثير من الكتب الجامعية مرجعًا من مراجعهم يباهون به، ويفتخرون بالاعتماد عليه، وهو يغريهم بما ينسبه إلى الطبري، والبلاذري، واليعقوبي، والواقدي، ونحوهم، فيخيل للباحثين والدارسين أنه (وثق) كل أخباره، وأتى بها من منابعها، فيعجبون به، ويطمئنون إليه.

السيطرة العربية

     لفلوتن كتاب بهذا الاسم، ونظرًا لأهميته في مجال التاريخ حظي بعناية من رجال التاريخ عندنا، فترجمه إلى اللغة العربية سنة 1934م الدكتور حسن إبراهيم حسن، ومحمد زكي إبراهيم، وطبعت هذه الترجمة طبعتان، ثم ترجمه سنة 1980م مرة ثانية الدكتور إبراهيم بيضون.. وفلوتن متخصص في تاريخ هذه الفترة حيث كانت أطروحته للدكتوراه في نفس الموضوع ودراسته ومقالاته وأبحاثه كلها هذه الوجهة.

     ومن هناك كان لكلامه وزن وقيمة، وكان (لتحريفه) للمصادر، (وخيانته) للمنهج خطر عظيم، وكان هذا منه جرمًا اي جرم.

     ونحن نلتزم بهدفنا هنا، فلا يعنينا ما في الكتاب من تهجم على الإِسلام والمسلمين، الذي لا يعدو أن يكون سبًّا وشتمًا (بأسلوب أكاديمي) وإنما يعنينا هنا جريمته في حق تراث أمتنا، وكيف حرف المصادر والمراجع وزيفها. وإليك هذا المثال:

     جاء في ص 66: «ولقد أصابت الأسر المرموقة في الكوفة ثراء، فاحشًا كان مصدره (المغانم) والأعطيات السنوية، فكان الكوفي إذا ما ذهب إلى الحرب يصطحب معه أكثر من ألف من الجمال، عليها متاعه وخدمه» ثم نسب ذلك إلى الطبري: 2/8106 س8.

     وعلى البديهة ترفض أن يكون هذا الكلام في الطبري، فنحن نعرف الطبري رضي الله عنه إمامًا عالماً، مؤرخًا محدثًا فقيهًا، أو على الأقل (عاقلاً، يدري ماذا يقول)!! فكيف يذهب الجندي المقاتل إلى الميدان ومعه أكثر من ألف من الجمال، تحمل متاعه وخدمه؟ كيف يقاتل ومعه هذه الحاشية؟ وما يصنع بحمل ألف جمل من المتاع في الميدان؟ وإذا فرضنا أن الجيش كان عشرة آلاف مقاتل (وهذا تقدير متواضع) فكم عدد الجمال التي تحمل متاعهم؟ أليست أكثر من عشرة ملايين من الجمال؟ كيف يتحرك هذا الجيش؟ وأية طرق تسعهم وأية مياه تكفيهم؟ وأية مراع تطعمهم؟ وإذا سقط من الجيش بضع مئات أو آلاف قتلى في الميدان، فأين تذهب الملايين من الجمال التي تحمل أمتعتهم.

     لوقرأ أي عاقل هذا الخبر في أصح كتاب لاتّهم صاحبه أو على الأقل نسبه إلى الخطأ والوهم، ورفض أن يحكي هذا الكلام أو ينقله.

     ولكن المستشرق العظيم في غمرة اجتهاده، لإثبات أن فتوحات المسلمين كانت انتهابًا لخيرات وثروات البلاد التي فتحوها، راح يجمع الأدلة من هنا وهناك ويلويها ليًّا، ويزيفها تزيفًا، إلا أننا ما كنا نتوقع أن يخرج بتزييفه إلى حد اختراع هذه الخرافة، التي لا شك أنه لم ينتبه إليها، فقد شهدت عليه لا له.

     وهل لذلك أصل في الطبري؟؟

     إن عبارة الطبري تقول على لسان قيس بن الهيثم أحد وأصحاب مصعب بن الزبير قبيل التحامه مع جيش عبد الملك بن مروان، يُرغب أهل العراق في القتال، ويبين لهم حسن معاملة ابن الزبير لهم، ورفعه لمنزلتهم ومكانتهم: «.. والله لقد رأيت سيدَ أهل الشام على باب الخليفة يفرح إن أرسله في حاجة، ولقد رأيتنا في الصوائف، وأحدنا على ألف يعير..».

     فالقائل هنا يريد أن يوازن لأهل العراق بين معاملة خليفة الشام لأصحابه فالسيد منهم يقف بالباب، ويعتدها تكريمًا من الخليفة لو أرسله في حاجته، وبين إكرام حكامهم (الزبيريين) لهم، فالواحد منهم على ألف بعير، ومعنى على ألف بعير، أي أمير ألف، وكان هذا أكبر لقب في الجيش، بعد القائد العام، أي أنهم في كنف الزبيريين كلهم أمراء(8).

*  *  *

الهوامش:

رسالة في الطريق إلى ثقافتنا: 98، 99.

ثلج الصدر: يتردد هذا في مؤلفات أثمتنا في القرون الأولى، ويعنون به اليقين، وكثيرا ما يعطفون عليها لفظا آخر أوضح دلالة على المعنى المراد فيقولون: (ثلج الصدر، وبرد اليقين).

الدكتور مصطفى نظيف، الحسن بن الهيثم، بحوثه وكشوفه البصرية، 29-37، نقلا عن الدكتور علي سامي النشار – مناهج البحث عند مفكري الإسلام: 373-374 الطبعة الثانية.

أستاذنا محمود شاكر – رسالة في الطريق إلى ثقافتنا: 99-104 باختصار تصرف يسير.

هذا التعبير مستعار من أخى الدكتور محمود الطناحي، في كتابه مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي – مكتبة الخانجي – القاهرة 1405هـ 1985م وهو كتاب جيد، ينقذ تاريخا غاليا من الضياع.

د. محمود الطناحي، مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي: 227، 228.

سورة النور: 31، محمد في المدينة: 436.

انظر: العسكرية العربية للواء الركن محمود شيت خطاب، كتاب الأمة رقم «3» ص 44.

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، شعبان 1435 هـ = يونيو 2014م ، العدد : 8 ، السنة : 38